محمد الريشهري

272

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

الصحابة العشر ولا نصف العشر ممّا دوّن له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب " البيان والتبيين " وفي غيره من كتبه ( 1 ) . وقال في ذيل الكتاب 35 : اُنظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها ، وتملّكه زمامها ، وأعجب لهذه الألفاظ المنصوبة ، يتلو بعضها بعضاً كيف تؤاتيه وتطاوعه ، سِلسة سهلة ، تتدفّق من غير تعسّف ولا تكلّف ، حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال : " يوماً واحداً ، ولا ألتقي بهم أبداً " . وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة ، جاءت القرائن والفواصل تارةً مرفوعة ، وتارةً مجرورة ، وتارةً منصوبة ، فإن أرادوا قَسْرَها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف أثر بيّن ، وعلامة واضحة وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر قال : اُنظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة ، الاُولى منصوبة الفواصل والثانية ليس فيها منصوب أصلا ، ولو مزجت إحدى السورتين بالاُخرى لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما ، ثمّ إنّ فواصل كلّ واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلّفيّة . ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال : ولداً ناصحاً ، وعاملا كادحاً ، وسيفاً قاطعاً ، وركناً دافعاً ، لو قال : ولداً كادحاً ، وعاملا ناصحاً ، وكذلك ما بعده لما كان صواباً ولا في الموقع واقعاً . فسبحان الله من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! أن يكون غلام من أبناء عرب مكّة ينشأ بين أهله ، لم يخالط الحكماء وخرج أعرف

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : 1 / 24 .